حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

المصوتات ومناسبتها للدلالة الإفرادية في شرح المثلثات اللغوية (3) بقلم أ.د/ منى عبد الظاهر الشامي

أستاذ أصول اللغة المساعد بكلية البنات الإسلامية بأسيوط جامعة الأزهر

الجـــد

*يقول الفيروزآبادي في الأزهرية: «الجَد ـ بالفتح ـ: أبو الأب الذكر, والبخت»([1])، وزيد في نسخة المدينة: «الجَدَ: القطع, وأبو الأب, وأبو الأم, والحظّ, والرزق, والعظمة, وشاطئ النهر  ويكسر ـ, ووجه الأرض, والرجل, والعظيم الجد ـ ويضم ـ: وصرام النخل»([2])

ولا يخفى علينا التناسب الحادث بين مصوت الفتح  ودلالة اللفظة على كون (الجَد) تدل على أبي الأب لما فيهما من امتداد؛ ففي المصوت امتداد للصوت, وفي أبي الأب امتداد للنسب.

وممن ذكر دلالتها على العظمة المهلبي, حيث قال: «الجَدُّ ــ بالفتح ــ له ثلاث معان: أحدها: العظمة، قال تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن من الآية3] أي: عظمة ربنا، والثاني: الحظ والبخت، والثالث: أب الأب»([3]).

ويؤزر دلالتها على العظمة والحظ ما ذكره ابن فارس, إذ قال: «الْجِيمُ وَالدَّالُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: الْعَظَمَةُ، وَالثَّانِي: الْحَظُّ، وَالثَّالِثُ: الْقَطْعُ. فَالْأَوَّلُ الْعَظَمَةُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِخْبَارًا عَمَّنْ قَالَ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] . وَيُقَالُ جَدَّ الرَّجُلُ فِي عَيْنِي أَيْ عَظُمَ…وَالثَّانِي: الْغِنَى وَالْحَظُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فِي دُعَائِهِ: «لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ([4])» ، يُرِيدُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْكَ غِنَاهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ بِطَاعَتِكَ. وَفُلَانٌ أَجَدُّ مِنْ فُلَانٍ وَأَحَظُّ مِنْهُ بِمَعْنًى. وَالثَّالِثُ: يُقَالُ جَددْتُ الشَّيْءَ جَدًّا، وَهُوَ مَجْدُودٌ وَجَدِيدٌ، أَيْ مَقْطُوعٌ… قَالَ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ الْجِدُّ فِي الْأَمْرِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ مِنْ هَذَا; لِأَنَّهُ يَصْرِمُهُ صَرِيمَةً وَيَعْزِمُهُ عَزِيمَةً»([5]).

بالنظر مليًا في معاني اللفظة يستبين أنها تتناسب مع خصائص مصوت الفتح من الاتساع والانتشار والامتداد, فالعظمة تعني الكثرة في الجلال والقدر، يقول ابن فارس فيها: «الْعَيْنُ وَالظَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى كِبَرٍ وَقُوَّةٍ. فَالْعِظَمُ: مَصْدَرُ الشَّيْءِ الْعَظِيمِ. تَقُولُ: عَظُمَ يَعْظُمُ عِظَمًا، وَعَظَّمْتُهُ أَنَا. فَإِذَا عَظُمَ فِي عَيْنَيْكَ قُلْتَ: أَعْظَمْتُهُ وَاسْتَعْظَمْتُهُ. وَمُعْظَمُ الشَّيْءِ: أَكْثَرُهُ»([6]).

ويدل على المعنى عينه (الحظ) فهو عند اللغويين يفيد الكثرة والزيادة، فالخليل يقول فيها إن: «الحَظُّ : النَّصيبُ من الفَضْل والخير والجميع»([7])، فتجدها تحمل من دلالات الاتساع والكثرة والامتداد ما يتناسب مع طبيعة مصوت الفتح؛ فالحظ: يعني الغنى، ولا غنى إلا بكثرة واتساع في أسباب هذا الغنى سواء أكان غنى ماديًا أم معنويًا؛ إذن فهذه المعاني تتناسب مع اتساع الفتح, وانتشاره ورحابته واستطالته وامتداده.

*يقول الفيروزآبادي في الأزهرية: «والجِدُّ ـ بالكسر ـ: الحق والجِد في الأمر, وهو الانكماش»([8])، وزيد في نسخة المدينة: «وبالكسر: الانكماش في الأمر, وضد الهزل, وشاطئ النهر, وجانب كل شيء»([9]).

وبالبحث عن معنى الكمش تجد ابن فارس يقول فيها: «الْكَافُ وَالْمِيمُ وَالشِّينُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى لَطَافَةٍ وَصِغَرٍ، يَقُولُونَ لِلشَّاةِ الصَّغِيرَةِ الضَّرْعِ: كَمْشَةٌ، وَفَرَسٌ كَمِيشٌ: صَغِيرُ الْجُرْدَانِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْعَزُومِ الْمَاضِي: كَمْشٌ، يُنْسَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى لَطَافَةٍ وَخِفَّةٍ. يُقَالُ: كَمُشَ كَمَاشَةً، وَرُبَّمَا قَالُوا: كَمَشَهُ بِالسَّيْفِ: إِذَا قَطَعَ أَطْرَافَهُ»([10]). فهي تدل على عزم وحرص وتمسك بالحق, فالشخص الجاد الذي يكتنف بالحق ويحبس نفسه عليه دون الهزل يحصر نفسه فيه ويعزم عليه, وذلك يتناسب مع الاكتناف والحصر والحبس الحادث في أثناء نطق مصوت الكسر لأعضاء النطق. ويؤكد دلالة الانكماش على الإحاطة والحبس وما يتبعهما من اهتمام قول ابن منظور: «ومعنى المُبادرة بالأَعمال الانْكِماشُ في الأَعمال الصالحة والاهتمامُ بها»([11])، فهنا حدث تناسب بين المعنى ومصوت الكسر.

* يقول الفيروزآبادي في الأزهرية: «والجُدّ ـ بالضم ـ: البئر القديمة»([12])، وزيد في نسخة المدينة: «وبالضم: جمع الجدّة من الشياه, وهي التي لا لبن فيها, وجمع الجَدَّاء من السنين, وهي التي لا ينزل فيها غيث, والجَدَّاء من الإبل وهي المقطوعة الأذن, ومن النساء: لا ثدي لها, والجُدَّاء ــ أيضًا ــ: الرجل العظيم الحدّ ـ ويفتح ـ, والبئر بين الكلأ»([13]). وخصها المقلاتي بالقليلة الماء, فقال: «الجُدّ: هي بضم الجيم هو جانب كل شيء ومجل القطع من الشيء، والجُد عند العرب: البئر القليلة الماء, وقيل: الماء القليل في الفلاة»([14]).

دلالة الجُد على البئر القليلة الماء أو الماء القليل تكون عادة مجتمعة في مكان صغير غير ممتدة كما هو الحال في الآبار الكبيرة والعيون النضاخة, وذلك يتناسب مع طبيعة مصوت الضم ومع هيئة الشفتين عند خروج مصوت الضمة، فهما مضمومتان؛ ليجتمع بينهما الهواء الخارج، وكذا الماء القليل في البئر يتجمع فيه الماء بهذه الصورة, فالحفرة والبئر تجمعا الماء بداخلهما كما تجمع الشفتان الهواء بينهما, وأيضًا هذه القلة في الماء تعني عدم الامتداد للماء وقصر رقعتها؛ فتتناسب بذلك مع قصر مصوت الضم وعدم امتداده. وأيضًا من التناسب البارز ههنا أن استدارة الشفتين حين إصدار الضمة يناسب استدارة العيون والآبار.

===============

 ([1])أربع رسائل في شرح مثلث قطرب, ص16.

([2]) كتاب الغرر المثلثة والدرر المبثثة, ص386.

 ([3])أربع رسائل في شرح مثلث قطرب ص82, وينظر ص152.

([4]) هذا جزء من حديث جاء في باب/ الذكر بعد الصلاة (1/168) رقم (844) ينظر: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري, محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري, تح/ محمد زهير بن ناصر, دار طوق النجاة, ط1, 1422هـ . والحديث كاملًا :

عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»

([5]) معجم مقاييس اللغة (ج د)

([6]) معجم مقاييس اللغة (ع ظ م)

([7]) كتاب العين (ح ظ)

([8]) أربع رسائل في شرح مثلث قطرب ص16.

([9]) كتاب الغرر المثلثة والدرر المبثثة, ص386.

([10]) معجم مقاييس اللغة (ك م ش)

([11]) لسان العرب, محمد بن مكرم بن على، جمال الدين ابن منظور, (خ ص ص) دار صادر – بيروت, ط3, 1414 هـ.

([12]) أربع رسائل في شرح مثلث قطرب ص16, 83, 152.

([13]) كتاب الغرر المثلثة والدرر المبثثة, ص386.

([14]) المثلثات للمقلاتي, ص42.

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu