حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

ديوان (العبور الأخير).. قراءة في العتبات النصية [الحلقة الثانية] بقلم: أ.د/عصام فاروق

أستاذ أصول اللغة ووكيل كلية العلوم الإسلامية للطلاب الوافدين لشئون الدراسات العليا- جامعة الأزهر

العتبة الثالثة (عنوانات القصائد):

تتسم بعض عنوانات قصائد الديوان بالأسلوب الإنشائي الموزَّع ما بين الاستفهام: (أكنت هناك؟/ من أين أبدأ؟) والنهي: (لا تطرق الباب/ ) والأمر: (اعصفي يا رياح)، وكأني بالشاعر يريد أن يشرك القارئ معه في ما يشعر به ويحس، أو لعلها دعوة إلى المشاركة من خلالها يكون القارئ فاعلا (مسئولا ومنهيا ومأمورا)  في معادلة الحب والعشق التي يتحدث عنها الشاعر، ليأنس به في هذا الطرح الشعوري المهم.

كما أرى الشاعر يصك بعض عنوانات قصائدة بأنماط نحوية متكررة، وانظر إلى: ( ما لم يقله النور/ ما لم تقله العين)، (موج بلا ماء/ وطن بلا مثوى/ حلم بلا مأوى). وهو إلحاح منه على أفكار يريد أن يوصلها إلى القارئ عبر صفحات كتابه، ولعل تناثر هذه الأنماط بين جنبات الديوان تدل على ذلك الإلحاح عبر الأنماط المتكررة.

وأرى اختيار نمط (كذا بلا كذا) يدل على نفسية الشاعر المولهة المتقلبة بين رياض الشوق وأشواك الألم، تلك الثنائية التي يتقلب بين جنباتها العاشق، لا يستقر له بال ولا تهدأ له جفن ما دامت هذه الحالة الشعورية متلبسة به، فهو يعشق عشقه وفي الوقت ذاته يتألم من ألمه.

وعلى ذكر ثنائية (الشوق والألم) فإن عنوانات القصائد متشبعة بمفردات هذين الجانبين، فقد استخدم في الجانب الأول نجد هذه العنوانات: ( إنذار بالشوق/ شاطئ القمر/ عشق التبتل/ متورط في العشق/ لغة العيون/ حنين). بينما ينفث عن الجانب الثاني من خلال إطلاقه: (بوح الندم- العابرون سدى- تمائم الذكرى- جرح الرخام).

كما تتسم العنوانات بنوع من التكرارية اللفظية الواعية، وبحسبك أن ترى تكرارية كلمة (الأخير) في عنوانات: (الخروج الأخير- العبور الأخير- العزاء الأخير)، وكلمة الباب في: (لا تطرق الباب- عاشقة ببابي- رؤيا بباب الغار) وكلمة العابر وما يتعلق بها في: (العابرون سدى/ العبور الأخير/ وجه العابر)، وكلمة الشوق: (إنذار بالشوق/ متورط في الشوق/ خطرات الشوق).

واتسام هذه العنوانات بالقصر بادٍ- أيضا- من خلال استخدام أنماط معينة:

كالإضافة: بوح الندم/ عشق التبتل/ سارق الوله/ تمائم الذكرى/ بقايا الدماء..

الوصف: الخروج الأخير/ اللاجئ الصامت/ العبور الأخير/ العزاء الأخير..

المفردة الواحدة: عقرب/ الحارس/ حنين.

كما أن بعض هذه العنوانات وردت داخل قصائد أخرى، فعل الشاعر استأنس منها عنوانا فجردها ودبج قصيدة تحتها إن كانت الأولى أسبق، أو لعل العنوان الذي ارتضاه لقصيدة ألح عليه حينما وجد فرصة سانحة داخل قصيدة أخرى لأن الفكرة المترسبة في ذهن الشاعر هي حضته على ذلك ولو بشكل لا شعوري.

ومن ذلك قوله في قصيدة [ما لم يقله النور]:

ليلان مرّا وخيط العنكبوت بدا :: فمن يعيد الرؤى كي أبصر الغارا؟

ثم هو يطلق على قصيدة أخرى عنوان [رؤيا بباب الغار]

كما نجد أن بعض هذه العنوانات مأخوذة من القصيدة نفسها، إما من مطلعها كما في قصيدة (حلم بلا مأوى) التي مطلعها:

حلم بلا مأوى يهدهد أضلعه :: أحتاج مجدافيت كي أبقى معه

وكذلك فعل في قصائد: (وطن بلا مثوى)، (لا تطرق الباب)، (على شفه الهيام)..

ولعلي لست مخطئا إن رأيت أن ذلك النمط من التسمية يأتي قبل القصيدة غالبا، بأن اختار الشاعر اسما لقصيدة، ثم أنشأها بعده إنشاءً.

وإما أن ينتقي من بين ثنايا القصيدة عنوانا مناسبا لها، فتكون القصيدة قبل العنوان، لذا نجد بعض عناوين القصائد داخل القصائد نفسها، كما في انتقائه عنوان قصيدة (أكنت هناك؟) وورد هذا السؤال نفسه داخل القصيدة، وكذا عنوان قصيدة (أرق من العذوبة) وقد وردت العبارة نفسها في قوله:

أرق من العذوبة كنت عينا :: يهدهدها بحاجبه اختيال

وكذلك فعل في قصائد: (من أين أبدأ؟)، (بقايا الدماء)، (عقرب)..

كما نجد عنوانات لبعض القصائد لم ترد في ثناياها، ومن ذلك: (ما لم يقله النور)، و(ما لم تقله العين)، حيث إن القصيدة في كليهما هي مقول القول الذي لم يُقل، إنْ من النور أو العيون، وكذا عنوان: (اللاجئ الصامت).

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu