حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

تذوق “عبد القاهر” الفني في كتابه “دلائل الإعجاز” [الحلقة الأولى] د. محمد عرفة

الأستاذ المساعد بجامعة الجوف بالمملكة العربية السعودية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد

       فمع ما شَغل عبد القاهر الجرجاني وكتاباه”الدلائل”و”الأسرار” من أبحاث ودراسات ومؤلفات غير قليلة في مكتبتنا العربية، إلا أنه – ككثير من أصول ومصادر فروع تراثنا العربي – ما إن تقلبه تجد فيه جديدا، مهما تكاثرت عليه الأيدي، ومهما تعددت فيه الدراسات، ومؤلِّفنا ومؤلَّفنا (بفتح اللام) من هذه النماذج التى كالأترجة كلما قلبتها فاح عطرها، واستمتعت منها بالجديد.

       والإمام عبد القاهر الجرجاني أمة في علم البلاغة بكتابيه اللذين يمثلان سَنَام مصادر البلاغة العربية، وقمة مصنفاتها. وقد كان من بين ما تميز به الشيخ عبد القاهر فى كتابيه منهجه في تذوق وتحليل الآيات والأبيات التي زخر بها الكتابان، بمختلف أنماطها.

       وزاوية مدخلنا فى هذه الدراسة، هي الرؤية المغايرة لعبد القاهر في تذوقه الفني لعدد من النماذج التي خالف فيها تذوق غيره، وبحث وحلل، وشرح ووضح، وبرهن واستدل، ثم حكم بغير ما حكم الآخرون، وأدرك من المعاني، ما لم تدركه قامات من اللغويين الذين سبقوه.

       لقد كان عبد القاهر الجرجاني ممن يصنعون المعرفة، وليسوا ممن ينقلونها، وهذا ما ميز شيخنا عن سواه من البلاغيين الذين امتلأت مصنفاتهم بأبيات وشواهد سابقيهم، دونما كثير تأمل، أو إعادة تذوق، يضيف إلى القديم جديدا، أو يصوب خطأً، أو يعيد توجيه فهم قراءة استقرت فى بطون المصنفات، كما هو حال الإمام عبد القاهر في كتابه “دلائل الإعجاز”.

       وقد تميز الشيخ عبد القاهر في تذوقه الفني لشواهده التي حللها في كتابه، بذلك المنهج الذي أقامه على نظرية النظم، التي قال عنها أحد شيوخ العربية المحدثين([1]) إنها “تقف كتفا إلى كتفٍ مع أحدث النظريات اللغوية في الغرب، وتفوق معظمها في مجال فهم طرق التركيب اللغوي”. 

     ومن خلال أهمية جهود عبد القاهر الجرجاني وكتابه “دلائل الإعجاز”، ثم أهمية منهج عبد القاهر الجرجاني في تذوق وتحليل فنون القول، من بين مناهج عديدة تعالج النصوص القولية وتسبر أغوار معانيها، من خلال تأتي أهمية تلك الدراسة التي تدور في فلك علم من علوم العربية – لما ينل حقه من الدراسات – وهو علم دراسة طرائق العلماء في تذوق النصوص- قرآنية وشعرية ونثرية – وتحليل بنيتها، وصولا إلى معنى المعنى، أو المعاني الثواني، كما أشار عبد القاهر الجرجاني.

     وتهدف الدراسة إلى الوقوف على بيان أهمية التذوق الفني، ودوره في التعامل مع النصوص القرآنية والأدبية، من خلال دراسة نماذج لذلك المنهج التذوقي الفني عند عبد القاهر الجرجاني، وفي كتاب من أمهات كتبها، وهو كتاب “دلائل الإعجاز” .

       كما يهدف البحث – بعد عرض جانب نظري يتناول مصطلح التذوق- إلى الوقوف على تلك الشواهد التي اختلف فيها تذوق عبد القاهر الجرجاني مع من سبقه من أعلام العربية وقاماتها الفذة، وإدراك عبد القاهر بذوقه الفني البلاغي المتأمل ما لم يدركه علماء من أمثال سيبويه وابن جنى وابن قتيبة وخلف الأحمر وابن شبرمة وغيرهم، وهو ما يكسب تلك الدراسة – بجانب المتعة التذوقية البلاغية – متعة الحجاج والمداورات الفكرية بالأدلة والشواهد، وتزداد تلك المتعة حين تكون بأسلوب عالم كعبد القاهر وعلمه وثقافته الواسعة.

       ومن ثمَّ فالهدف الرئيس من الدراسة، هو تتبع منهج عبد القاهر في تذوق تلك النصوص، والوقوف على طرائق تذوق هذه القامات لفنون القول من شعر ونثر وشواهد قرآنية كريمة، مع ربط هذه التذوق الفني بنظرية النظم التى أقام عليها الشيخ منهجه في التذوق.

       وهذه الدراسة، وإن جمعت شتات بعض ما كان منثورا في دراسات أخرى، وعمقته وجعلته غاية، بعد أن كان يدور في إطار أهداف أخرى في تلك الدراسات، إلا أنها تأتي بجديد – في علم الباحث- وهو جمع ما في “الدلائل” من أبيات شعرية حللها الشيخ، خالف تذوقُه الفني لها تذوق سابقيه، ثم ما وافق تذوقه سابقيه مع إضافات لها، وصنف ثالث من الآيات القرآنية والشواهد الشعرية التي أتى فيها بما لم يسبق إليه من قبل، ثم استنباط أدوات منهج الشيخ في تذوقه الفني الذي أقام عليه تحليله البلاغي.

      وقد قامت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، يقف عند النماذج و الشواهد بالتحليل والتذوق البلاغي، ويقف على قول عبد القاهر الجرجاني، وقول غيره من علماء العربية فيما سنعرض من نماذج. كذلك قد تضطرنا الغاية من الدراسة- أحيانا – إلى الاستعانة بالمنهج المعياري فى بعض مواضع البحث لنقيِّم ونقوم ما قد نراه يحتاج إلى نقد وتقويم.

     وتأتي الدراسة في مقدمة وتمهيد ومبحثين:

     إذ تبدأ  بمقدمة تستعرض سبب اختيار الموضوع وأهميته ومنهجه والخطة التي سيقوم عليها البحث.

ثم يلى ذلك تمهيد يوجز حديثا حول مصطلح التذوق الفني.

ثم يتبعه مبحثان:

المبحث الأول : نماذج لما خالف فيه عبد القاهر غيره في باب التذوق الفني.

المبحث الثاني : منهج عبد القاهر الجرجاني في تذوقه الفني.

الخاتمة : وفيها ما توصلت إليه الدراسة من نتائج وتوصيات، ثم ثبت بأهم المصادر والمراجع، فالفهرس.

      واللهَ أسألُ أن يحقق البحث ما يصبو إليه، ليضيف لبنة إلى بناء لغتنا العربية السامقة، ويقف على ثغرة من ثغور البلاغة العربية.

وعلى الله قصد السبيل

===================

[1])) هو الدكتور تمام حسان في كتابه: اللغة العربية مبناها ومعناها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1973م، ص 18.

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu