حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

المجاز حقيقة لغوية في تاريخ العربية[1].. بقلم أ.د/ محمود مخلوف

أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط- جامعة الأزهر

لا يوجد عالم في التراث العربي والإسلامي  له ذَرْوُ اطلاع على تاريخ علومه اللغوية والنقدية والشرعية إلا وهو مقرٌ بوجود ” المجاز ” في العربية والقرآن، وأنه شطر العربية مع الحقيقة اللغوية ..  مرتكزاً على كلام العرب في عصورهم الأولى ، وعلى عناصر الإبانة في النظم القرآني ..

     والذين خالفوا هذا قبل القرن الثامن الهجري كانوا قلة ، لم يلتفت إلى مخالفتهم العلماء المحققون الراسخون .. فقد نسب إنكار المجاز إلى : أبي اسحق الاسفرائيني 418 هـ ، وداود الظاهري  وابنه محمد ، وابن خويز منداد المالكي والبلوطي وابن القاصّ.

     فلما جاهر الشيخ  ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بإنكار المجاز ، احتشد لهذا في رسالة ” الإيمان ” ، وتابعه تلميذه الشيخ ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه ” الصواعق المرسلة ” ، وثار حول مسلَّمة المجاز لغط حوّلها إلى قضية ..

وقد دخل الشيخان إلى ساحة المجاز من باب الخلاف العقدي ، في تأويل آيات وأحاديث الصفات الخبرية عن الله ـ سبحانه ـ ، فكان دخولهما من غير الباب الطبعي لمسلّمة لغوية ، أقرّبها جمهرة الأئمة من أهل السنة ، وغيرهم ، على اختلاف يسير حسب الميادين ، والسياقات ، والأساليب ، والشواهد ..

     يقول د / عبد العظيم المطعني :  ” أما من جوّز وقوعه ـ أي المجازـ في اللغة ، وفي القرآن ، وفي الحديث الشريف فلا ينسب إلى ” أفراد”  ، وإنما هو مذهب الجمهور ، أو مذهب العامة والكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل فروع البحث والتأليف   ”

 وقد ختم المطعني جزأي الكتاب بقوله :   ” الرأي ، أو القرار والحكم : فقال : “إن ظاهرة إنكار المجاز في اللغة وفي القرآن العظيم : إنما هي مجرد شبهه ، كتبت لها الشهرة ، ولكن لم يكتب لها النجاح “..المجاز 2/ 1147

     وأكبر دليل على أن دخول الشيخين من باب الخلاف العقدي إلى مسألة ثبوت المجاز أو إنكاره = هو أن جدالاتهم الطويلة في سبيل إنكار المجاز جاءت ضعيفة ، لم تنهض بتحقيق ما قصدا إليه ، حتى إن أكثر أتباعهما اليوم قد عجزوا عن تأييدهما في إنكار المجاز ..

     وقد حسم شيخنا د / المطعني ما تبقى من آثار الخلاف ، بتأليف كتابه العظيم ” المجاز في اللغة والقرآن بين الإجازة والمنع “

      ثم أنهى النقاش عمليا بتخصيص شطر كبير من الجزء الثاني ،لإيراد نصوص كثيرة من كتب الشيخين : ابن تيمية وابن القيم ، بنياها على إثبات المجاز تطبيقيا، مع تصريحاتهما المتعددة بإنكار المجاز نظريا ، وقد ملأت هذه النصوص ، وتعليقات المطعني عليها أكثر من مائتين وخمسين صفحة ..

    وهناك ضوابط عامة ارتضاها محققو العلماء منهجاً في الحكم والتقييم والترجيح والتصحيح لمقولات أهل العلم :

ــ نبذ التعصب ، ووجوب الإنصاف في مناقشة القضايا ، واستعراض كلام أهل العلم فيها ؛ تفريعا على قول إمام المدينة مالك بن أنس :”كلٌّ يؤخذ من كلامه ويردّ إلا صاحب هذه الروضة ـصلى الله عليه وسلم ـ” ..

_عدم اعتقاد العصمة في أقوال عالمٍ ، مهما عظم شأنه وارتقت درجته ، وهكذا كان السلف الصالح من أئمة المذاهب كأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، فقد خالف كلاًّ منهم نفر من تلاميذه وأتباعه ، وأثبتوا هذا ، واعتمده محققو مذاهبهم ، بل أحيانا  يرجحونه على راي الإمام ذاته.

_ يؤخذ من كل عالم في العلم الذي رسخ فيه ، ولا يؤخذ علمٌ ممن لم يتوفر عليه ويرسخ فيه ، فيؤخذ الفقه عن الأئمة الأربعة ، ونظرائهم ، وتلاميذهم الكبار ، ويؤخذ النحو عن الخليل وسيبويه والكسائي والفراء ، ونظرائهم ، وكبار تلاميذهم ، وأئمة أجيال تابعيهم..

ويؤخذ التفسير وعلومه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والطبري، ونظرائهم..

ويؤخذ الحديث وعلومه عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل ، ونظرائهم..            

وفي ضوء هذا قرر أهل العلم أنه :

لا يؤخذ النحو أو البلاغة عن مالك أو أبي حنيفة ، أو عن الطبري ، أو البخاري ، وإن وجد في تراثهم شيء من هذا فهو من معارفهم العامة، وليس من أصول هذا العلم ودقائقه..

كذا : لا يؤخذ الحديث، أو التفسير عن الخليل ، ويونس ، وسيبويه ، والكسائي ، وإن وجد عندهم منه شيء فهو من لوازم الموسوعية، وليس من أصول هذا العلم، ودقائقه الخاصة..

وفي ضوء هذه الحقيقة : فإن الذين نصّبوا الشيخ ابن تيمية حكَماً عاما أعلى على كل شيوخ العلوم الإسلامية العربية ، فهم مخالفون لمنهج أئمة العلم الراسخين ، في كل عصور الإسلام..          

      فليس ابن تيمية بأعلم من الأئمة الأربعة في الفقه وأصوله ، ولا أعلم من الخليل وسيبويه في العربية ونحوها ، ولا أعلم من البخاري ومسلم في الحديث وعلومه ، ولا أعلم من قتادة والطبري في التفسير وعلومه..

       وهذه بدهية مسلمة تنجي من كثير من مزالق وتهويمات المتعصبين ، الذين أصيبوا بعَشىً علميٌ فلا يرون ، ولا يسمعون ، ولا يقرأون إلا لمن تعصبوا له ، وإن خالفوا المنقول والمعقول .. والشواهد كثيرة متنوعة في أيامنا هذه ..فلا فقه إلا ما اختاره ابن تيمية وابن  القيم ، ولا عقيدة منجيه إلا ما صححاها ، ولا تفسير يُعتمد إلا ما رجحوه ، ولا حديث يُقبل إلا ما حكما له ، ولا لغة ولا نحو ، ولا بلاغة إلا ما قبلاها..

    وهذا كله شذوذ ونشاز عن مناهج أهل العلم المسلمين فى كل عصور الإسلام ، ولا تفسير له إلا التعصب الأعمى ، والتنفيذ المستسلم للتوجيه السياسي الداخلي والخارجي ، الذي بني علي أسس تفريق المسلمين ، وإزكاء نيران الحرب بينهم..

     يقول د/ المطعني : ” ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية من الشُّبهة الأولى ، من مجموع الشُّبه التي بنى عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة وعن القرآن الكريم ، وهي : أن أحدا من سلف الأمة لم يقل به !

    وقد واجهناه بنقيض دعواه ، وبيَّنا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء ، وهم : الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ومعه صاحباه ، والإمام أحمد بن حنبل قد روى الرواة الثقاة أنهم قالوا بالمجاز ، وتكرر ذلك منهم…

     كما رأينا أن كثيرا من اللغويين ، والنحاة ، والأدباء ، والنقاد ، والبلاغيين ، والإعجازيين ، والمفسرين ، والمحدثين ، والأصوليين ، والفقهاء قد قالوا بالمجاز وتوسع بعضهم فيه ، ونقلناه عن أبي عبيدة ، وابن العربي ، وأبي عمرو بن العلاء ، وثعلب.. تدفع دعواه في نفي المجاز..”      المجاز 2/715

يتبع…..

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu