حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

الصوابُ اللُّغَوِي [الحلقة الثانية] بقلم أ.د/ عاطف الأكرت

أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بالقاهرة

      أحاول أن أضع لك قضية الصواب اللغوي في سياقها التاريخي ، وملابساتها العلمية، عن طريق البحث في الجذور.

       أخذت اللغة -التي كانت لا تجاوز الشفاه في الجاهلية- مكانها في الكتب بعد نزول القرآن الكريم ، وكان الحرص على تدوينها وكتابتها قويًّا ؛ لأنها وسيلة إلى غاية كبرى هي القرآن ذاته؛ لأنه بهذه اللغة نزل ، وانطلق نفرٌ لجمْعِها وتوثيقها وتلقِّي مفرداتها وأساليبها ، وكان المجموع هو المتن المقدس الذي قامت عليه العلوم المتصلة بالقرآن ، وهذا المتن المتمثل في المفردات والأساليب والشعر هو النموذج / المثال الذي جُعِل المعيار على الكلام العربي بعد التدوين ، فهو المرجع في الحكم على التعبير اللغوي بالصحة أو الخطأ.

     كثيرة هي الأسباب الحافة بالبحث اللغوي إبان النشأة والتي توجهه نحو الدين، والتي تجعل البحث ذاته من قبيل التدين ، فقد روي من حديث غريب : ” إن هذا العلم دين فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ” ([1]) .

فجمعُ اللغة -حينئذ- يكون لخدمة القرآن الكريم ، والجمع ذاته عمل ديني يؤجر عليه   صاحبه ، “فإنني لم أقصد سوى حِفظِ هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة، إِذْ عَلَيْهَا مَدار أَحكامِ الْكتاب الْعَزِيز والسُّنّة النبويّة” ([2]).

    وعلم النحو دين لأنه في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية: “فإن النحو إنما هو العلم باللغة التي نزل بها القرآن، وهي لغة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكلام أهل الجنة وكلام أهل السماء” ([3]) .

    إضافة إلى ذلك ما كان يعتقده علماء المسلمين في تفسير نشأة اللغة أنها توقيف، أي تلقين من الله إلى آدم بواسطة وحي أو إلهام ، يؤيده كثيرون استنادًا إلى فهم آية ( وعلَّم آدم الأسماء كلها ) ( البقرة : 31) ، ويرى بعضهم أنها وضع بشري سواء بالاصطلاح بين مجموعة من البشر ، أو بالمحاكاة لأصوات الطبيعة. .

      والقول بأن اللغة توقيف يعني قدسيتها ضمنًا ؛ لأنها حينئذٍ صادرة من الله – تعالى – ذاته ، فهي أمر إلهي ، وتلقي الإنسان الأول لهذا الأمر الإلهي يماثل تلقي الرسالة.

ولا تتعجب -إذن- حين ترى علماء التصوف يقفون طويلا أمام الحروف الأبجدية بالتحليل ، فإن لكل حرف عندهم معنًى ورمزًا ورقمًا وملَكًا يخدمه ، فهذا نوع من النظر في اللغة مترتب على قدسيتها

    وخُلِع على اللغة صفات تدل على هذا التقديس ، ” وَذَلِكَ لأَنا إِذا تأملنا حَال هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة الْكَرِيمَة اللطيفة وجدنَا فِيهَا من الْحِكْمَة والدقة والإرهاف والرقة مَا يملك علينا جَانب الْفِكر حَتَّى يطمح بِنَا أَمَام غلوة السحر” ([4]) .

       وأُحيط البحث فيها بأنواع من الإجلال كما أحيطت العبادات ، فاشتُرط في الباحث ما يُشترط في العبادة ، ” أول ما يلزمه الإخلاص وتصحيح النية: لقوله (صلى الله عليه وسلم): ” الأعمال بالنيات ” ، ثم التحرّي في الأخذ عن الثقات مع الدأب والملازمة عليهما لقوله (صلى الله عليه وسلم): ” إن هذا العلم دِين فانظروا عمن تأخذون دينكم ”  ولا شك إن علم اللغة من الدِّين، لأنه من فروض الكفايات، وبه تعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة.

       قال عمر بن الخطاب: لا يُقْرِئ القرآن إلا عالم باللغة، وعن ابن عباس قال: إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب ، وقال الفارابي: لا سبيل الى علم القرآن، وإدراك معانيه إلاّ بالتبحر في علم هذه اللغة وقال بعض أهل العلم:

حفظُ اللغاتِ علينا … فرضٌ كفرض الصلاةِ

فليس يُضبطُ  دينٌ … إلا بحفظ اللغاتِ  ([5])

         لكل أولئك كان البحث اللغوي عند العرب ذا خاصية متميزة عن غيره ، فهو قائم أساسًا على خدمة الكتاب المقدس لدى المسلمين وهو القرآن الكريم ، يندرج في ذلك كل ما يتصل باللغة من مفردات وقواعد وشعر ونثر ، ولا شك أن البحث الذي يقوم لتلك الغاية يكون محفوفًا بالحذر الشديد نظرًا لأن الخطأ فيه بمثابة الخطأ في الدين يتجنبه العالم وإن كان يدرك أن اجتهاده المخطئ عليه أجر ، لكنه حذر كل الحذر من هذا الخطأ ، كما أن توصيف هذا الخطأ يمكن إدراجه في الحلال والحرام من منظور ديني.

إذا أدركنا ذلك علمنا التحفظ الشديد لدى علماء العربية تجاه أي جديد يُذكر في جانب اللغة، وعرفنا سبب الحرص على بقاء النموذج الموروث كما هو دون مساس بصلبه، وعرفنا سبب الهجوم الشديد على كل دعوات التجديد التي قامت سواء في الشعر أو النثر أو المفردات اللغوية ، ووصفها بالبدعة تارة ، وبالكيد للإسلام تارة ، وبالسعي لهدم اللغة ومحوها تارة أخرى . . إلى غير ذلك من أوصاف نابعة من التمسك بالمقدس وعدم المساس به .

لذا وجب أن نضع قضية الصواب اللغوي حيثما وضعها العلماء الأوائل ، وسار على دربهم المعاصرون ، وأن ننظر فيها من حيث نظروا ، وأن نعرف الغاية من وضع المصنفات التي تتبع عثرات الألسنة ، وتصوِّب وتخطِّئ .

فهل النموذج -الذي كان المعيار للحكم بالصواب والخطأ- منضبط ؟

ما موقف العلماء العرب تجاه انحراف النموذج القديم ؟

كيف أثر البعد الديني على قضية الصواب اللغوي ؟

وكيف أثر هذا البعد على محاولات التجديد ؟

نستكمل في الحلقة التالية بمشيئة الله – تعالى – .

=============================

( [1]) صحيح مسلم 11 / 14  باب : في أن الإسناد من الدين . وضعفه الألباني جدا .

( [2] )  تاج العروس : المقدمة. 

 ( [3] ) صبح الأعشى 1 / 171 .

       ( [4] )  الخصائص 1 / 48 لابن جني ، تحقيق : محمد علي النجار  .

  ( [5]) البلغة في أصول اللغة ص 142 ، أبو الطيب محمد صديق خان ، تحقيق: سهاد حمدان أحمد السامرائي ، رسالة ماجستير من كلية التربية للبنات – جامعة تكريت .

 

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu