حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

المجاز حقيقة لغوية في تاريخ العربية[2].. بقلم أ.د/ محمود مخلوف

أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط- جامعة الأزهر

    ويجازف ابن تيمية في حق هؤلاء الكرام فيقول -عفى الله عنه- “ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصري وأمثاله : إنما تعرف الحقيقة من المجاز بطرق ، منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقول : هذا حقيقة ، وهذا مجاز…..فقد تكلم بلا علم”   الإيمان/84

    يقول  المطعني ” وهذه دعوى مرفوضة من ابن تيمية ، فإن اتهام بعض السلف (أي المثبتين للمجاز) بالكذب معناه اتهام جميع مَن قبله مِن القائلين بالمجاز بالكذب….

ولو صحّ هذا لبَدَا الكذبُ من أبي عمرو بن العلاء ؛ إذ هو أول من نسب إليه القول بالاستعارة من منتصف القرن الثاني الهجري ، ولكان الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ، بل والإمام أحمد ، ، وإمام الحرمين ، وحجة الإسلام  الغزالي ، وفخر الإسلام البزدوي ، وغير هؤلاء كثيرون كانوا متهمين بالكذب كذلك ، ولا يكون صادقا في الأمة إلا الإمام ابن تيمية ومن جاراه ، أو رأى مثل رأيه في نفي المجاز.. وهذا قول ظاهر الفساد ، ولا يخفى بطلانه على أحد قط…..  المجاز 2/716

       من ضمن ما قال ابن تيمية : إطلاقه نفي القول بالمجاز عن أئمة اللغة والنحو ، وكلامهم في كتبهم ،أو التي روت كلامهم نقيض هذا تماما، وهذا ضمن عشرات الإطلاقات له في قضايا بذاتها ، والتحقيق العلمي أثبت عكس هذا..   

قال ابن تيمية عن المجاز : “ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمر بن العلاء ، ونحوهم.. وأول من عرف أنه تكلم بالمجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ، ولكن لم يعنِ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة ، وإنما يعني بمجاز الآية مايعبر به عن الآية”  الإيمان :84                      

       قال د/المطعنى : ” وهذا كلام منقوض ؛ لأنه لم يقم على أساس صحيح ، فقد تقدم في مطلع هذه الدراسة(1) ، التي عرضنا فيها لمباحث ثمانية من أبرز أعلام اللغة والنحو(2) ، ومنهم سيبويه والفراء ، ووقفنا على إدراكهم للصور المجازية في اللغة ،  وفي القرآن الكريم ، بالإضافة إلى نظرائهم من الأدباء والنقاد “

       ثم عقب المطعنى بقوله : ” وذلك الذي قدمناه في مطلع هذه الدراسة كفيل وحده ، بإبطال ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية.. ومع هذا فما زالت أمامنا شواهد أخرى تدفع دعواه دفعا مباشرا ، وتبين أن الإمام ابن تيمية لم يقع كلامه على أساس علمي صحيح ، بل بناه على ظواهر عامة سلبية ، ولم يطّلع إطّلاعاً مستوعباً على آثار الذين نفى أن يكونوا قد قالوا بالمجاز”  المجاز 2/710

      ثم أثبت المطعنى ما رواه ابن رشيق المتوفي عام  463هـ عن أبي عمر بن العلاء المتوفي 154هـ  وهو أحد القراء السبعة ، وهو اللغوي الثبت ، وهو من رواد رواية الشعر ونقده في تاريخ العربية  ..

      كما أثبت المطعني رواية القول بالمجازـ الذي هو مقابل الحقيقة ـ عن أبي عبيدة معمر بن المثني المتوفي 210هـ في كتابه “النقائض بين جرير والفرزدق” تعليقا على قول جرير :

        لا قوم أكرم من تميم إذ غدت  ***  عوذ النساء يستن كالآجال

قوله : عوذ النساء : هن اللاتي معهن أولادهن ، والأصل : عوذ الإبل التي معها أولادها ، فنقله العرب  إلى النساء ، وهذا من المستعار ، وقد تفعل ذلك العرب كثيرا” النقائض 1/121

     يقول المطعنى : ” فإذا كان أبو عبيدة لم يُرد من المجاز في كتابه المذكور ما هو قسيم الحقيقة (أي كما تمسك ابن تيمية) فقد أفصح هنا عن المجاز المراد منه ما هو قسيم الحقيقة ؛ لأن الاستعارة من أظهر أنواع المجاز ، فلم يَعُد لقول ابن تيمية وجه من وجوه الصحة” المجاز 2/712 ، 713

    وكذلك أثبت المطعنى ما رواه ابن رشيق عن إمام اللغة ورواية الشعر ابن الأعرابي المتوفي 231هـ ، تعليقا على قول أرطاة بن سهية :

           فقلت لها يا أم بيضاء إنني ***هُريقَ شبابي واستشنّ أديمي

فقال : هريق شبابي : لما في الشباب من الرونق والطراوة ، التي هي كالماء … ثم قال : استشن أديمي : لأن الشنّ هو القربة اليابسة ، فكأن أديمه صار شنًّا لما هريق ماء شبابه ، فصحت له الاستعارة من كل وجه ولم تبعد.. العمدة  1/274

        وكذلك أثبت المطعنى القول بالمجاز للغوي النحوي إمام علماء الكوفة في عصره (ثعلب) المتوفي عام 291هـ .

“فقد أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه الشهير “قواعد الشعر” محللاً الاستعارة ، ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه…

فقد ذكر أن امرأ القيس استعار لليل صفة الجمل من قوله المشهور : فقلت له لما تمطّى بصلبه..

و” تأبّط شراً ” استعار للمنايا نواجذَ وأفواها ، ولا نواجذ ، ولا فم لها…

واستعار للموت نظراً ، والموت لا عيون له …

و” أبو ذؤيب ” استعار للمنية أظفارا ، والمنية لا ظفر لها…

و” ذو الرمة ” استعار للنُّعاس كأسا  ، وللكَرى دِينا في قوله :

   سقاه السُّرى كأس النعاس فرأسُه   ***  لدِين الكَرى من أول الليل ساجدُ  

   ثم عقّب المطعنى بقوله : ” فهذه كلها نصوص قواطع في بابها… ومع هذا فإن ابن تيمية حلا له أن يمحو بجرة قلم ما تناقله الثقات ، وينفي أن يكون أحد من اللغويين أو النحويين قد قال بالمجاز … وغير هؤلاء كثير كالحاتمي ، وابن المعتز ، الصولي ، وابن دريد”      المجاز 2/713 ،714

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu