الشيخ ابن تيمية والإمام أحمد والحنابلة وإنكار المجاز.. بقلم أ.د/ محمود مخلوف

أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط- جامعة الأزهر

      الشيخ أحمد بن تيمية من بيت حنبلي هو، وأبوه، وجده، مترجم لهم في كتب التعريف برجال المذهب ، وإن كان الشيخ تقي الدين قد خالف المذهب في مسائل كثيرة ، سيما بعد إحساسه بتفوقه على أسلافه.. وله مع بعض أئمة المذهب وقفات كالتي بينه وبين ابن عقيل وغيره..

        قال ابن تيمية : ” ولابن عقيل أنواع من الكلام ؛ فإنه من أذكياء العالم ، كثير الفكر والنظر في كلام الناس ، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية ، وينكر من يسميها صفات ، ويقول إنما هي إضافات ، موافقا للمعتزلة ، كما فعله في كتابه ” ذم التشبيه وإثبات التنزيه” وغيره من كتبه ، واتبعه على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه ” كف التشبيه بكف التنزيه” ، وفي كتابه “منهاج الوصول” .. وتارة يثبت الصفات الخبرية ، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات .. وتارة يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره ، وتارة يحّرم التأويل و يذمّه.                        درء تعارض العقل والنقل 4/133 

   ولا يعيب هذا الصنيعُ الشيخَ تقي الدين ، فكثير من علماء المذاهب لهم مثل هذه المواقف كأبي حامد الغزالي ، وأبي بكر بن العربي ، والقرافي ، وابن حجر العسقلاني…فلهم مخالفات لمشهورأقوال مذاهبهم ، وكل هذا معدود في مناقبهم ، ونضج شخصياتهم العلمية.

    ومن الأنفع في حلّ موضع الإشكال أن أنقل كلام الشيخ ابن تيمية بنصه ، عن عدم ورود المجاز في كلام أئمة الفقه مستثنيا الإمام أحمد بن حنبل ، مثبتا له ورود المجاز في كلامه ، ولكنه حوّله عن وجهة الاستدلال به … وهاك نصه :

يقول الشيخ ابن تيمية : ” وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام الإمام أحمد بن حنبل ، فإنه قال في كتاب “الرد على الجهمية” في قوله : “إنّا ، ونحن” ونحو ذلك في القرآن : هذا من مجاز اللغة ، وبهذا احتج على مذهبه من قال : إن في القرآن مجازاً كالقاضي أبي يعلى ، وابن عقيل ، وأبي الخطاب ، وغيرهم”         الإيمان 85،84

وقال :  وتفصيل ما أجمله ابن تيمية في قوله هذا يكشف الموقف العام النهائي لابن عقيل من نصوص الصفات الخبرية … يتحقق هذا بكشف الترتيب الزمني لتأليف هذه الكتب التي وردت فيها المواقف التي أشار إليها ابن تيمية .. ساعتها سوف نعد الرأي الوارد  في آخر كتابٍ تأليفا هو الرأي الذي آب إليه واعتمده.

    وتكتب نصوص ابن عقيل كاملة ، ويعرف سياق كل قول  ، والشاهد الذي علّق عليه ، فإن هذا سوف يتيح لنا معرفة دقيقة لموقف ابن عقيل ، الذي لملمه ابن تيمية بطريقة تدل على اضطراب الرجل ، وعدم وضوح رأيه ، وظني أن هذا الإجمال المبهم مقصد من ابن تيمية ، لأن التفصيل الدقيق سوف يصب في غير اتجاهه ومصلحته..

يقول د/المطعنى : ” وقد دفع الإمام ابن تيمية بأن هذه العبارة المنسوبة للإمام أحمد ليست دليلا على أنه قال بالمجاز ، لأن معناها : هذا مما يجوز في اللغة ، ثم روى رواية أخرى بأن الإمام أحمد لم يقل بورود المجاز ، مرجحا رواية النفي على رواية الإثبات ”                        “الإيمان 87” ، “المجاز685”

وقد فند المطعنى تعليق ابن تيمية على رأي الأمام أحمد في إثبات المجاز بثلاثة دفوع قوية ، أظهرها ثالثها ، حيث قال المطعنى “وكون الإمام أحمد من القائلين بوقوع المجاز في القرآن هو الرواية الراجحة كما نص على هذا ابن النجار الحنبلي ، وأنه مذهب الأصحاب….” وهو” وإن تأخر عصره عن عصر ابن تيمية فإن ابن النجار لم يجمع أصول علم حدثت بعد عصر الإمام ابن تيمية ، وإنما جمع ما طبّق ذكره الآفاق قبل عصر ابن تيمية عند الحنابلة من علماء الأمة ـ عليهم من الله الرضوان ـ  ( 1 )  ”   المجاز 569 ، 570

وقد أطال المطعنى النقل عن ابن النجار من أجل كونه حنبليا ، يروي كلام أصحاب الأمام أحمد ، وأئمة مذهبه مع غيرهم من أئمة المذاهب الأخرى..

لذا نراه قد نقل تعريف ابن النجار للمجاز ، معدداً خمسا وعشرين علاقة للمجاز ، بشواهدها ، وشرحها ، ثم علق المطعنى عليها..                      ” من صـ 1/572 ، 1/596″

=================

1ـ  محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي رئيس الحنابلة / بمصر في عصره ، وولي القضاء بها ـ  ت 972

ويوافق رأيُ ابن النجار هذا قولَ ابن القيم ، تلميذ ابن تيمية : ” وقد تمسك بكلام أحمد هذا من ينسب إلى مذهبه أن في القرآن مجازاً ، كالقاضي أبي يعلى ، وابن عقيل ، وابن الخطاب ، وغيرهم” ..                                    “الصواعق المرسلة / 286”

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu