حقوق النشر محفوظة لموقع كنوز العربية

النظرية التداولية مقالات وبحوث [3] بقلم د. طارق أبو الطاهر محمود

مدرس أصول اللغة بجامعة الأزهر

الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما على خير الأولين والآخرين، وبعد.

فبعون الله تعالى نكمل المسيرة مع النظرية التداولية، وفي هذا المقال أتناول جانبًا من جوانب النظرية التداولية، وجدير بالذكر أن التداولية ينضوي تحتها العديد من الظواهر اللغوية، التي هي مجال الدرس التداولي ، وهي:

أولا: الإشارايات .

ثانيا: الاستلزام الحواري .

ثالثا: الأفعال الكلامية .

رابعًا: القصدية.

خامسًا: الحجاج .

سادسًا: الاقتضاء .

وسوف أتناول هذه الجوانب في هذا المقال والمقالات الآتية إن شاء الله تعالى.

أولا: الإشاريات :

هي أحد أهم جوانب النظرية التداولية، وفي هذا المقال سوف ألقي الضوء على المفهوم اللغوي والاصطلاحي للإشاريات، ثم أتنال أنواع الإشاريات وفقا للنظرية التداولية، مع ذكر نماذج لدراسة الإشاريات، وإبراز دورها في فهم النص .

الإشاريات في اللغة:

الإشاريات جمع إشارية، وهي نسبة إلى كلمة إشارة، وهي تعود إلى الأصل اللغوي (شور)، وقد جاء في معاني هذا الأصل في معجمات اللغة أنه يدور حول المعاني الآتية: ([1])

أولا: الإيماء إلى الشيء ، يقال: أشار الرجل يشير إشارة : إذا أومأ بيديه، وهذا الإيماء يكون باليد، والعين، والحاجب .

وهذا الإيماء يعبر عن معنى من المعاني، مثل: الدعوة إِلَى الدُّخُول أَو الْخُرُوج.

ثانيا: أشار عليه بكذا: إذا وجهه لرأي ما بأن نصحه به، وبين له ما فيه من صواب.

الإشاريات في الاصطلاح:

تعرض كثير من المهتمين بالدرس التداولي لمفهوم الإشاريات، وسوف أذكر طرفا من هذه التعريفات:

عرفها بعض الباحثين بأنها : مجموعة من العلامات التي لا يتحدد معناها إلا في سياق الخطاب التداولي؛ لأنها خالية من أي معنى في ذاتها ([2]).

وفي تعريف ثان لها بأنها : ما يدل على أي شيء يتعين من جهة بموضوع، ويثير من جهة أخرى فكرة معينة في الذهن، ويوجد فيها القصد في التواصل … ولا بد للإشارة من أن تكون مختلفة عن الإشارات الأخرى، ولا بد للإشارة من مادة أو مرجع ([3]).

ويذكر الأزهر زناد أن الإشارة : مفهوم لساني يجمع كل العناصر اللغوية التي تحيل مباشرة على المقام من حيث وجود الذات المتكلمة، أو الزمن، أو المكان، حيث ينجز الملفوظ والذي يرتبط به معناه ([4]).

ويذكر الدكتور/ محمود نحلة أن الإشارة هي: كلمات أو تعبيرات تعتمد اعتمادًا تامًا على السياق الذي تستخدم فيه، ولا يستطاع انتاجها أو تفسيرها بمعزل عنه ([5]).

ومن خلال هذه التعريفات يتضح لنا أن الإشاريات هي عناصر لغوية موجودة في النص ذلك دلالة تتسم بعدم الوضوح ، ولا يمكن الوصول إلى مفهوم هذه العلامات اللغوية إلا من خلال استجلاء النص، ومعرفة السياق السابق واللاحق لها، وكذلك السياق الداخلي والخارجي لها حتى يستطيع السامع فهم مراد المتكلم من تلك العلامات .

أهمية الإشاريات في النص:

تكمن أهمية هذه العناصر في أنها تمثل الروابط الداخلية بين وحدات النص،التي تعمل على تماسكه، وانسجامه ، وهي أيضًا تعمل على ربطه بالعالم الخارجي؛ لذلك فإن دراسة البعد الإشاري يمثل جزءًا من مقاصد الخطاب، وتوضيح غاية المتكلم، كما أنها تقوم بدور المؤكدات؛ لأنها مدعمة بالواقع المادي الخارجي ، وبالمؤكد اللفظي الخارجي ([6]).

يقول د/ سعيد بحيري: ” النص إذن يتألف من عدد من العناصر، تقيم فيما بينها شبكة من العلاقات الداخلية التي تعمل على إيجاد نوع من الانسجام والتماسك بين تلك العناصر، وتسهم الروابط التركيبية والروابط الزمانية والمكانية والروابط الإحالية في تحقيقهما … ويؤدي الفصل بين هذه العناصر الداخلية أو إسقاط أي منها أو إغفال أية علاقة سواء كانت داخلية أو خارجية إلى العجز عن إثبات الوحدة الكلية أو التماسك والانسجام الداخلي للنص ” ([7]).

ومن خلال ما سبق يتضح جليا أن الإشاريات تتسم بصفة مشتركة، وهي الإبهام كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ حيث الغموض يكسو دلالتها، ولا يزول هذا الغموض إلا من خلال السياقات التي تكتنفها، وجدير بالذكر أن علماء اللغة العربية قديما قد أشاروا إلى جملة من هذه الكلمات التي وصفوها بالإبهام، وهي تقع تحت مصطلح الإشاريات الحديث، ومن ذلك مثلا:

ما ذكه سيبويه أن من الأسماء المبهمة : هذا ، هذان، هذه ، هاتان، هؤلاء، وذلك .([8])

وفي المقتضب : ” فأما الأسماء المبهمة فنحو: خلف ودون وفوق “.([9])

وفي موضع آخر يذكر من الأسماء المبهمة : الذي ، التي ، ومنها حيث .([10])

ويؤكد الدكتور/ عباس حسن أن السبب في تسمية المبهمات هو ” عدم دلالتها على شيء معين مفصل مستقل إلا بأمر خارج عن لفظها، فالموصول لا يزول إبهامه إلا بالصلة، واسم الإشارة لا يزول إبهامه إلا بما يصاحب لفظه من إشارة حسية ..([11])

وفي أسرار العربية يشير الأنباري أن من الظروف المبهمة خلف وأمام ، ووراء وقدام.([12])

أنواع الإشاريات:

لم تتفق كلمة التداوليين في عدد الإشاريات، فبعضهم جعلها ثلاثة أنواع ([13])، وبعضهم جعلها خمسة أنواع ([14]).

وسوف أعتمد الرأي الثاني لأنه الرأي الذي يكاد يتفق عليه علماء الدلالة ، وهذه الأنواع هي :

أولا: إشاريات شخصية :

وتتمثل في الضمائر المنفصلة والمتصلة التي تشير إلى المتكلمين والمخاطبين ومن شاركوا في الحوار ([15]).

والضمائر المستترة في النحو العربي ضرب من الإشاريات التي تدرك الإحالة عليها من السياق، فلا يتلفظ بها المرسل لدلالة الحال عليها ([16]).

ثانيًا: الإشاريات الزمانية:

وهي كلمات تدل على زمان يحدده السياق بالقياس إلى زمان التكلم، فزمان التكلم هو مركز الإشارة الزمانية في الكلام ([17]).

فإذا قال القائل مثلا: سوف أزورك غدا . فكلمة (غدا) إشارة زمانية لا يتحدد معناها إلى بمعرفة زمن التكلم والسياق الذي وردت فيه هذه الإشارة .

ومن الطرائف التي قد تقع تحت هذا الباب من الإشاريات ما ذكروه من أن حلاقا كتب على باب صالونه ( الحلاقة غدا مجانا) ، فكل من رأي الإعلان جاء في الغد ليحلق مجانا ولكن الحلاق يلزم هؤلاء الزبائن بسداد قيمة الحلاقة؛ متحججًا بأن الإعلان يذكر غدا وليس اليوم، فالحلاق اعتمد على الإبهام الوارد في الإعلان من خلال عدم تحديد زمن الإعلان في الإيقاع بالزبائن والتغرير بهم . ولو أنه حدد زمن الكلام المكتوب في الإعلان لزال الغموض الموجود في كلمة (غد) بالنسبة للمخاطب أو المتلقي .

ثالثًا: الإشاريات المكانية:

وهي عناصر إشارية إلى أماكن يعتمد استعمالها وتفسيرها على مكان المتكلم، ووقت التكلم، أو يعتمد على مكان آخر معروف للمخاطب أو السامع، فهي تحيل إلى المواضع التي تفاعل معها الخطاب، ولا شك أن المكان يمثل بعدًا أساسيا في إنتاج النص، يحس به الإنسان ويؤثر في وجوده وكينونته ([18]).

وأكثر الإشاريات المكانية وضوحا هي كلمات الإشارة : هذا وذاك للإشارة إلى قريب أو بعيد من مركز الإشارة المكانية وهو المتكلم ، وكذلك : هنا وهناك من ظروف المكان التي تحمل معنى الإشارة إلى قريب أو بعيد من المتكلم ، ويندرج تحت الإشاريات المكانية أيضا سائر ظروف المكان نحو : فوق ، تحت ، أمام ، خلف …. ([19]).

ومن أمثلة هذه الإشاريات ( الكرة وراء السيارة)، فكلمة وراء تمثل إشارة مكانية يكسوها الغموض، ولا يزول هذا الغموض إلا بمعرفة وتحديد الشيء المرتبط به هذا اللفظ، وهو كلمة (السيارة)، فمتى حدد المخاطب موضع السيارة زال غموض كلمة (وراء) .

رابعًا: إشاريات الخطاب:

تعد الإشاريات الخطابية من خواص الخطاب، وذلك باعتبارها إشاريات تأتي ضمن ملابسات الخطاب، فهي وليدة السياق المقامي .

فهي عناصر إشارية لا تحيل إلى ذات المرجع الذي تحيل إليه الإحالات الضميرية، لكن هناك تعبيرات يلجأ إليه المتكلم داخل السياق لأسباب خاصة به لتعديل مسار المعنى .

وتتمثل هذه الإشاريات في العبارات التي تذكر في النص مشيرة إلى موقف خاص بالمتكلم، فقد يتحير في ترجيح راي على رأي أو الوصول إلى مقطع اليقين في مناقشة أمر فيقول: ومهما يكن من أمر، ومن التعبيرات التي تعد من إشاريات الخطاب قول المتكلم : لكن للاستدراك عن كلام سابق ، وقوله : بل ، للإضراب عن ذكر شيء سبق ، ومن هذه الإشاريات أيضا قوله: فضلا عن، وهي يلجأ إليه عند رغبته في إضافة شيئا إلى ما سبق ذكره ([20]).

خامسًا: الإشاريات الاجتماعية:

وهي ألفاظ تشير إلى علاقات اجتماعية بين المتكلمين من حيث هي علاقة ألفة أو علاقة رسمية ([21]).

فالعلاقات الرسمية تشمل ألفاظ التعظيم والتبجيل في مخاطبة من هم أكبر سنا ومقامًا من المتكلم مثال ذلك : فخامة الرئيس ، الإمام الأكبر، جلالة الملك، سمو الأمير ، فضيلة الشيخ، سعادتك ، جنابك، حضرتك …الخ

أما العلاقات غير الرسمية، فهي لا تخضع لمثل تلك القيود في استخدام الألفاظ، ومنها على سبيل المثال مخاطبة السامع دون ألقاب، أو استخدام عبارات التحية التي تدل على الحميمة مثل : صباح الخير ، صباح الفل ، صباح العسل … الخ ([22]).

وهكذا ينتهي الحديث عن أول مظهر من مظاهر التداولية، وأرجو من العلي القدير أن أكون قد ألممت إلمامة سريعة وافية واضحة بهذا الجانب، ويتبع إن شاء الله تعالى بباقي الجوانب بعون الله وفضله .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

===================

[1])) ينظر: تهذيب اللغة للأزهري، 11/277 ( باب الشين والراء ( واىء) ، لسان العرب 4/436 ( ش و ر) ، تاج العروس 12/257 ( ش و ر) ، المعجم الوسيط 1/499 ( ش و ر) .

[2])) ينظر: استراتيجيات الخطاب ، عبد الهادي بن ظافر الشهري، ص 80 .

[3])) ينظر : المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب ، د/ نعمات بوقرة ، ص86.

[4])) ينظر: نسيج النص، بحث في ما يكون به الملفوظ نصا ، الأزهر زناد، ص116.

[5])) ينظر: أفاق جديدة في البحث اللغوي، د/ محمود نحلة، ص 15 ، 16 .

[6])) ينظر : النظرية البراجماتية ( التداولية) دراسة المفاهيم والنشأة، د/ محمود عكاشة ، ص 84.

[7])) دراسات لغوية تطبيقية في العلاقات بين البنية والدلالة ، د/ سعيد حسن بحيري ، ص 94.

[8])) ينظر: الكتاب 2/77 .

[9])) ينظر : المقتضب 2/271 .

[10])) ينظر: السابق 3/172.

[11])) النحو الوافي، عباس حسن ، 1/339 .

[12])) ينظر : أسرار العربية ص 157.

[13])) ينظر: النظرية البراجماتية ، د/ محمود عكاشة ص 84 .

[14])) ينظر: أفاق جديدة في البحث اللغوي، د/ محمود نحلة، ص 17، المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب، نعمان بو قرة ، ص 87.

[15])) ينظر: النظرية البراجماتية ، د/ محمود عكاشة ص 85. المصطلحات الأساسية في لسانيات النص، ص87.

[16])) ينظر : استراتيجيات النص ، ص 83 .

[17])) ينظر: أفاق جديدة في البحث اللغوي، د/ محمود نحلة، ص19 .

[18])) ينظر: أفاق جديدة في البحث اللغوي، د/ محمود نحلة، ص21 ، النظرية البراجماتية ص 85.

[19])) ينظر: أفاق جديدة في البحث اللغوي، د/ محمود نحلة، ص22.

[20])) ينظر: المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب ص 87،آفاق جديد في البحث اللغوي، ص 24، العناصر الإشاريةى في قصيدة ارحل وعارك في يديك لفاروق جويدة، د: عبد العزيز صابر عبد العزيز، مجلة الدراسات العربية ، كلية دار العلوم المنيا، ص248 .

[21])) ينظر: المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب ص 87 .

[22])) ينظر : آفاق جديدة في البحث اللغوي، ص 25، 26 .

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu