الحلقة السابعة من علم اللغة التطبيقي (منهج تحليل الأخطاء)

أ.د/ عصام فاروق

عندما أبدى العلماء كثيرا من الملاحظات على منهج التحليل التقابلي؛ ومنها كونه منهجا تنبؤيا، يفترض وجود نوع من الأخطاء التي سيقع فيها الدارس، وكذلك عدم استطاعته تفسير عدد من المشكلات غير المتعلقة باختلاف النظام اللغوي بين اللغات وإنما تعلقه بأمور خارجة عنه.

لهذا كله لجأ بعضهم في أواخر الستينيات من القرن الماضي إلى وضع منهج آخر يقوم على رصد الأخطاء التي يقع فيها الدارس بالفعل، عرف هذا المنهج بـ(منهج تحليل الأخطاء) أو ما يسميه بعضهم (التحليل البَعدي Post-analysis)، وكان ظهوره على يد ( كوردر، ونمسر، وسلنكر) وتمر عملية التحليل هذه بثلاث مراحل مهمة: مرحلة جمع الأخطاء، مرحلة تصنيف الأخطاء وتوصيفها، مرحلة البحث عن الأسباب وراء وقوع الدارس فيها.

لكن ما هو الخطأ اللغوي المراد تحليله هنا؟

هو أي صيغة لغوية تصدر من الطالب بشكل لا يوافق عليه المعلم؛ وذلك لمخالفتها قواعد اللغة.([1])

ولارتباط تلك الأخطاء بمخالفة قواعد اللغة، فقد فرقوا بين: الأخطاء (بمفهومها السابق)، و( زلة اللسان )، التي تعنى الأخطاء الناتجة عن تردد المتكلم، نتيجة الإرهاق أو قصر الذاكرة أو عدم التركيز أو غيرها من الأسباب.

و( الأغلاط ): الناتجة عن إتيان المتكلم بكلام غير مناسب للموقف.

ومن البديهي أن هذا ليس ناتجا عن ضعف معرفتهم باللغة أو ضعف مقدرتهم فيها، والصفة المميزة لهذه الزلات أو الأغلاط أن الدارس يستطيع أن يصححها هو بنفسه عندما يلاحظها أو يصححها له سامعوه. ([2])

وعد كوردر الأخطاء بمفهومها السابق من (أخطاء الكفاية) الراجعة إلى نقص المعرفة بالقواعد أو التطبيق الخاطئ لها. بينما ترجع (زلة اللسان والأغلاط) إلى (أخطاء الأداء) والأخيرة يقع فيها المتحدث باللغة الأم مثله مثل المتحدث باللغة الثانية، ولذلك لا يعول عليها في عملية تحليل الأخطاء التي نحن بصددها، ومن ثم لا تعتبر البعض من ضمن الأخطاء، ما يقع فيه الدارس مرة واحدة مما يعتبر زلة أو غلطا غير مقصود، ولا هو راجع إلى النظام اللغوي، وإنما قد يخضع لأسباب خارجة عن نظام اللغة.

أهمية تحليل الأخطاء:

لتحليل الأخطاء أهمية كبيرة في عملية تعليم اللغة للناطقين بغيرها، ومن المجالات التي يستفاد من تحليل الأخطاء فيها:

  • أنها تزود الباحث بأدلة عن كيفية تعلم اللغة واكتسابها، والاسترتيجيات والأساليب التي يستخدمها الفرد لاكتساب اللغة.
  • تفيد في إعداد المواد التعليمية، إذ يمكن تصميم المواد التعليمية المناسبة للناطقين بكل لغة في ضوء دراسة هذه الأخطاء.
  • تساعد في وضع المناهج المناسبة للدارسين، سواء من حيث تحديد الأهداف أو اخيار المحتوى أو طرق التدريس أو أساليب التقويم. ([3])

(( ويرى كوردر أن الفائدة العملية لتحليل الأخطاء تعود إلى المعلم، إذ تقدم له تغذية راجعة، بصورة معلومات تتعلق بفاعلية مواده التعليمية ووسائله المستخدمة، وتبين له الأجزاء التي لم تُتعلم بكفاءة وتحتاج إلى مزيد اهتمام. كما أن تحليل الأخطاء يمكن المعلم من التقرير: هل يستطيع الانتقال من فقرة إلى أخرى في المنهج؟ أم هل يكرس وقتا لهذه الفقرة أكثر من الوقت الذي أخذه؟ )) ([4])

المرحلة الأولى: جمع الأخطاء

يعمد المعلم هنا إلى محاولة جمع الأخطاء التي يقع فيها الدارسون، ومن البدهي أن يكون المعلم على وعي بقواعد اللغة، حتى يستطيع الوقوف على الأخطاء التي يقع فيها الدارس وإلا فإنه سيمر عليها مرور الكرام دون تنبه إليها. ولذا لابد أن تكون لدى المعلم الكفايات اللغوية اللازمة للقيام بهذه المهمة.

ويقوم الجمع على اختيار عينة معينة، تكون في حالتنا هذه المتعلمين الدارسين مع المعلم أو في الفصل الدراسي أو غيرها إن كان التحليل يقوم على تقديم بحث علمي أو غيره، كما يقوم الجمع  على اختبارات (تحريرية أو شفوية) تقدم إلى الدارسين معدة إعدادا جيدا بمنهجية معينة تخدم الأهداف المراد الوصول إليها،  كأن يطلب منهم الكتابة عن موضوع معين وليكن (الأزهر، بلد الدارس، عادات الدارس وتقاليده، الصلاة، شهر رمضان…. إلخ) أو كتابة قصة، أو من خلال الحوار الشفوي، وقد يعتمد مع هذه الاختبارت على أداه أخرى كالاستبانات المعدة لهذا الغرض وغيرها.

ولابد أن يراعى في العينة التي ستخضع لهذا الاختبار أن تتجانس على معايير العمر، والمستوى، والمعرفة اللغوية، واللغة الأولى أحيانا، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، حتي نصل إلى الأخطاء التي تأخذ صفة الشيوع لدي هذه العينة. ([5])

المرحلة الثانية: تصنيف الأخطاء وتوصيفها

بعد جمع الأخطاء التي وقع فيها الدارسون، نقوم بعملية تصنيف لها بحسب نوع الخطأ الوارد، وكما قلنا من قبل من أن المعلم لابد أن يكون على وعي بقواعد اللغة، فلابد في هذه المرحلة من التزود بالوعي الكامل بمعرفة الأنظمة اللغة، ومعرفة مستوياتها المتعددة؛ لأن عملية التصنيف والتوصيف هذه ستقوم على ذلك الوعي، وستضعف بضعفه.

وقد قدم كوردو نموذجا لتحليل الأخطاء نورده في الشكل التالي:

نوع الخطأ معجمي/ دلالي

مفردي

قاعدي (نحوي) فونولوجي/ كتابي
الحذف      
الإضافة      
الاختيار      
الترتيب      

ففي النوع الأول بحسب هذا الجدول قد يلجأ الدارس إلى حذف عنصر ليس من حقه الحذف، أو زيادة عنصر، أو اختيار عنصر غير مناسب، أو ترتيب العناصر ترتيبا غير صحيح، وقد اكتفى بهذه الأنواع لأن أغلب الأخطاء تقع بشكل عام تحت هذه الأربعة.

ومثال النوع الأول: هذا أزهر شريف. بحذف أداة التعريف (ال).

ومثال النوع الثاني: أدرس في الكلية أصول الدين، بإضافة أداة التعريف إلى كلمة (الكلية)، مع أنها معرفة بالإضافة في الأساس.

ومثال النوع الثالث: شهر رمظان الكريم، باختيار الظاء بدلا من الطاء في هذه الكلمة.

ومثال النوع الرابع: في شرق آسيا بلدي تقع، ومن الواضح أن الترتيب غير مناسب في هذه الجملة، وصوابه: تقع بلدي في شرق آسيا.

وهناك من يعتمد تصنيفا آخر يقوم على أساس إعاقة عملية الاتصال من عدمها، فيقسمها إلى:

أولا- الأخطاء الكلية:

وهي أخطاء تعوق الاتصال، وتؤثر على التنظيم الكلي للجملة. وتتضمن الأنماط التالية:

  • الترتيب الخاطئ للكلمات، مثل: اللغة العربية تستخدم كثيرا من الناس.
  • أدوات ربط الجمل المحذوفة أو الخاطئة أو الواقعة في غير مكانها، مثل: ندرس القرآن الحديث- أتعلم الشعر النثر.

ثانيا- الأخطاء الجزئية:

لا تتسبب الأخطاء التي تؤثر على عنصر واحد من العناصر (المكونات) في الجملة عادة في إعاقة الاتصال بصورة واضحة. وتشمل هذه الأخطاء أخطاء تصريف الأسماء والأفعال، كما تشمل الأدوات والأفعال المساعدة. ومثالها:

  • لماذا لا تزور إلى بيتي.
  • ذهب أنا إلى الجامعة.
  • غدا ذهبت لزيارة وليد.

ومثل هذه الأمثلة عند سماعها من المتعلم الأجنبي لا تعيق التواصل أو التفاهم. ([6])

وقد يُعتمد في عملية التصنيف على المستوى اللغوي، فتقسم الأخطاء إلى:

  • الأخطاء الصوتية:

وتشمل الأصوات الصوائت، وذلك بتقصير الصائت الطويل، أو إطالة الصائت القصير. أو الصوامت وذلك باستبدال صوت بصوت آخر، أو مشكلات نطق الهمزة وغيرها.

  • الأخطاء الصرفية:

وتشمل أخطاء صيغ الأسماء والأفعال، وحروف المضارعة، وإسناد الأفعال إلى الضمائر.. إلخ

  • الأخطاء النحوية:

وتشمل أخطاء التذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، وحروف المعاني، والإفراد والتثنية والجمع..إلخ.

  • الأخطاء الدلالية والأسلوبية:

وتشمل استعمال كلمة مكان أخرى، والخطأ في الصياغة، وعدم مراعاة ترتيب الكلمات داخل الجمل، وحذف كلمة.

  • الأخطاء الكتابية والإملائية:

وتشمل مشكلات همزتي القطع والوصل، والهمزات بشكل عام، وعدم الدقة في استخدام علامات الترقيم، والتاء المربوطة والمبسوطة، وإهمال ألف التنوين.. إلخ

نموذج للتصنيف:

سأورد هنا نموذجا([7])  من أمثلة دراسة لتحليل الأخطاء لدى المتعلمين الناطقين بغير العربية، وقد أفرزت أخطاء منها:

  1. أسكن في الدور ثاني في الإمارة.
  2. يتألمون الطلاب في أزهر شريف.
  3. لهذه السبب نزل القرآن.
  4. أذهب في المسجد.
  5. يتكلمو الإنجليزية
  6. لأنه أنا مسلم
  7. سافرت إلى المصر
  8. لأننا مسلمين
  9. أنا يسكن في إمارة آلي.
  10. هذا اللغة عالمية.
  11. في اللغة العربي قواعد كثير جدن.
  12. أنا يقرأ في القرآن الكريم.

وهذا جدول تصنيف وتوصيف وتصويب الأخطاء:

أولا- الأخطاء النحوية:

الخطأ الصواب نمط الخطأ: المطابقة
وصف الخطأ: بين الصفة والموصوف
أسكن في الدور ثاني أسكن في الدور الثاني تنكير الصفة مع الموصوف المعرفة
في اللغة العربي قواعد كثير جدن. في اللغة العربية قواعد كثيرة جدًا. تذكير الصفة مع الموصوف المؤنث.
الخطأ الصواب نمط الخطأ: المطابقة
وصف الخطأ: بين اسم الإشارة والمشار إليه
هذا اللغة عالمية هذه اللغة عالمية تذكير اسم الإشارة مع المشار إليه المؤنث
لهذه السبب نزل القرآن لهذا السبب نزل القرآن تأنيث اسم الإشارة مع المشار إليه المذكر.
الخطأ الصواب نمط الخطأ: المطابقة
وصف الخطأ: بين الفعل والفاعل
أنا يسكن في إمارة آلي أنا أسكن في عمارة عالية عدم مطابقة الفعل للفاعل المتكلم
يتألمون الطلاب في أزهر شريف. يتعلم الطلاب في الأزهر الشريف. اقتران الفعل بعلامة جمع في حين يقتضي السياق إفراده
الخطأ الصواب نمط الخطأ: حروف المعاني
وصف الخطأ:
أذهب في المسجد أذهب إلى المسجد استعمال حرف جر غير مناسب.
أنا يقرأ في القرآن الكريم أنا أقرأ القرآن الكريم زيادة حرف جر حين يقتضي السياق حذفه.
الخطأ الصواب نمط الخطأ: الإعراب
وصف الخطأ:
لأننا مسلمين لأننا مسلمون نصب ما يقتضي السياق رفعه
يتكلمو الإنجليزية يتكلمون الإنجليزية حذف النون فيما يقتضي السياق ثبوتها
الخطأ الصواب نمط الخطأ: استخدام الضمائر
وصف الخطأ:
لأنه أنا مسلم لأنني مسلم استخدام ضمير الغائب مكان ضمير المتكلم
الخطأ الصواب نمط الخطأ: التعريف والتنكير
وصف الخطأ:
يتألمون الطلاب في أزهر شريف.

 

يتعلم الطلاب في الأزهر الشريف.

 

تنكير ما يستحق التعريف
سافرت إلى المصر سافرت إلى مصر زيادة أداة التعريف.

==========================

[1]))  المهارات اللغوية، د.رشدي طعيمة (306)

[2]))  ينظر: التحليل التقابلي وتحليل الأخطاء (140)

[3]))  المهارات اللغوية، د.رشدي طعيمة (307، 308)

[4])) تعليم العربية لغير الناطقين بها في ضوء اللسانيات التطبيقية (167)

[5])) ينظر: علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية (51)

[6])) ينظر: التحليل التقابلي وتحليل الأخطاء (167، 168)، تعليم العربية لغير الناطقين بها في ضوء اللسانيات التطبيقية (170، 171).

[7])) ينظر: تحليل الأخطاء (249 وما بعدها) د. أحمد همام.

اظهر المزيد

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
ArabicEnglishGermanUrdu